أنت هنا

النظام القانوني لوسائل التواصل الاجتماعي (واتس أب، فيسبوك، تويتر) دراسة قانونية مقارنة حول الخصوصية والحرية الشخصية والمسؤولية والإختصاص

تسمح الإنترنت للأفراد بإيصال رسائل لأشخاص آخرين عديدين في ذات الوقت؛ وبموارد محدودة يستطيع الشخص الوصول إلى العالم بأجمعه، ولكن تأتي مع هذه القدرة مسؤولية كبرى عما يتم نشره وضرورة إيجاد توازن بين حقوق الناشر وحقوق باقي العالم. ويمكن نشر صور وأخبار وأرقام هاتف وعناوين بريد إلكتروني وعناوين سكن على وسائل التواصل الاجتماعي. وتعطي وسائل التواصل الاجتماعي الناس القدرة على إرتكاب أشياء فظيعة، إذ يمكنهم الإختباء وراء شاشة الكمبيوتر وخلق عالم خرافي يكون له أثر حقيقي على الغير. وفي حالات معينة، على المحاكم الموازنة بين حرية التعبير للمستخدمين على الإنترنت وبين الحق في الخصوصية للأفراد.
تتضمن كلمة وسائل التواصل الاجتماعي تطبيقات مختلفة على الإنترنت تسمح للمستخدم (أي User) بإنتاج المحتوى وتحميله وبتبادل المعلومات في عدة إتجاهات. وهي تشمل فيسبوك وتويتر وواتس آب وغيرها.
بالفعل، لقد أصبح العالم بأجمعه متصلاً عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وأصبح لغالبية الأشخاص حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن مع السلطات الكبيرة للمستخدمين تأتي مسؤوليات على عاتقهم، وهم ليسوا في أغلب الأحيان واعين لها. ولا يمكن لوم مشغلي وسائل التواصل الاجتماعي بل المستخدمين أنفسهم، فهؤلاء المشغلون يبغون الربح المادي وقد وضعوا قواعد وسياسات لحماية المستخدمين من أنفسهم عبر منع بعض الأفعال أو النصوص. وقد أصبح لوسائل التواصل الاجتماعي تأثير كبير على الحياة اليومية للبشر.
لقد تعاظم إستخدام الأفراد لوسائل التواصل الاجتماعي بحيث أصبحت جزء من حياتهم اليومية، وإحدى الطرق الأساسية لتبادل الرسائل والمعلومات والصور وأفلام الفيديو...
وقد أثبتت وسائل التواصل الاجتماعي أنها كانت محرك أساسي وراء الأحداث التي حصلت في العام العربي في السنوات الأخيرة، وساهمت في تفعيل الحوار بين مختلف الشعوب والثقافات. كما أنها وسيلة مهمة لنقل الأخبار بالصور وبالفيديوهات بصورة آنية لما قد يحدث في العام من كوارث طبيعية أو أمور سياسية أو حوادث أمنية أو مناسبات إجتماعية أو رياضية... وإن حجم البيانات المحمّلة على وسائل التواصل الاجتماعي هو هائل والتغريدات عليها تزيد على مئات الملايين يومياً والزيارات لهذه المواقع تتجاوز المليار في اليوم بالنسبة لموقع واحد منها فقط والمستخدمين عليها يتجاوزون المليار على موقع واحد منها...
ويظهر تأثير وسائل التواصل الاجتماعي ليس فقط من خلال عدد المستخدمين الكبير والمتزايد عليها بل أيضاً من خلال الدور الذي تؤديه في حياتهم.
وتستوعب وسائل التواصل الاجتماعي 22% من الوقت الذي يقضيه المستخدمون على الإنترنت ، وقد أصبحت من صميم الحياة اليومية للإنسان إلى درجة أن نسبة 25% من الأشخاص المسنين (فوق الخامس والستين من العمر)، والذين يعتبرون بعيدين نسبياً عن التكنولوجيا، أصبحوا يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي . وفي الولايات المتحدة الأميركية، 10 % من الوقت الذي يقضيه المستخدمون يكون على فيسبوك لوحدها، كما أظهرت دراسات أن 30 % من الأميركيين يستعملون فيسبوك كوسيلة للحصول على أخبار. وفي دراسة مُجراة من قبل المشغل البريطاني O2 في العام 2012، تبين أن مستخدمي الهواتف الذكية يقضون قرابة 25 دقيقة في اليوم بالتصفح على شبكة الإنترنت و17 دقيقة على مواقع التواصل الاجتماعي وفقط 12 دقيقة من أجل الإتصال بالهاتف.
ويمكن القول أن وسائل التواصل الاجتماعي تستعمل فعلاً للتعبير عن الآراء والمشاعر والأفكار. وهي تحرر الإنسان وتمنحه سلطة وتشكل إمتداداً له. وهي تمتاز بوجوديتها في كل زمان ومكان، ما يُعرف بكلية الوجود Ubiquity.
وبالتالي، لم تعد وسائل الإعلام التقليدية تحتكر تجميع الأخبار والآراء ونشرها وإستقبالها في ضوء صعود وسائل التواصل الاجتماعي وإزدهارها.
بالمقابل، قد تفسد السلطة الممنوحة للمستخدمين عبر وسائل التواصل الاجتماعي هؤلاء، والذين هم غير مستعدين للمسؤولية التي تأتي مع هذه السلطة، وقد يؤدي ذلك بهم إلى نتائج وخيمة، لاسيما لجهة إدانتهم بجرائم أو تعرضهم لتدابير تأديبية أو للصرف من عملهم. كما أن إستفادة المستخدمين من وسائل التواصل الاجتماعي تعني تقديمهم معلومات عن أنفسهم ونشر أمور قد تكون غير مشروعة. وإن الحقوق القانونية المتعلقة بالحرية الشخصية التي يمكن أن تتعرض لها وسائل التواصل الاجتماعي هي الخصوصية وحرية التعبير عن الرأي وحماية البيانات الشخصية وحقوق الملكية الفكرية...
هكذا، تظهر أهمية هذه الدراسة المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي والحرية الشخصية، في ضوء تعاظم أعداد مستخدميها وتنامي دورها والخدمات التي تقدمها والإشكاليات القانونية التي تثيرها.
تاريخياً، إن وسائل التواصل الاجتماعي كانت موجودة بطريقة أو بأخرى منذ آلاف السنوات. ولكن ظهرت فرص جديدة ومخاطر وتساؤلات مع الصعود السريع للمنصات التكنولوجية technology platform التي سمحت للناس عبر العالم من التواصل والإتصال بطرق جديدة. وهكذا، فإن المبتكرين وأوائل المستخدمين والليبراليين ورجال الأعمال يؤكدون أن وسائل التواصل ليس مُنظّمة، ولا يجب أن تنظّم تماماً كالفضاء السيبراني والعالم الإفتراضي. بالمقابل، فإن السياسيين المعنيين يزعمون أن وسائل التواصل هي جديدة وخطرة وبحاجة لتنظيم.
وتطرح وسائل التواصل الاجتماعي تحديات لجهة تأثيرها على الحرية الشخصية للمستخدم. فهي من جهة أتاحت له مجال أوسع للتعبير عن رأيه والوصول إلى أوسع شريحة من الناس ودون أي كلفة، إلا أنها بالمقابل أصبحت تعرضه لمخاطر إنتهاك خصوصيته من خلال وصول الغير إلى ما ينشره، كما ترتب عليه مسؤولية قانونية عما ينشره.
ولقد أقبل الأشخاص على إستخدام وسائل التواصل الاجتماعي مع الإنتشار الواسع للهواتف الذكية والتطبيقات عليها ومع مجانية هذه الوسائل أو شبه مجانيتها وفعاليتها لجهة إمكانية نقل النصوص والصوت والصور والفيديو وتتبع وصول الرسائل... إلا أن العديد من المستخدمين لا يطّلعون على شروط إستخدام هذه الوسائل والنظام القانوني الذي تخضع له. يضاف إلى ذلك أن البعض قد وجد في وسائل التواصل الاجتماعي بيئة ملائمة لجمع معلومات عن الغير ومنها الشخصية والتعرض بالتالي لخصوصيته.
ولقد أظهرت دراسة مُجراة من قبل طلاب جامعة أم أي تي MIT في بوسطن أن 90% من مستخدمي الفيسبوك لا يقرأون البنود والشروط الخاصة بالموقع، كما تمكن هؤلاء الطلاب من تنزيل 70 ألف سيرة ذاتية لأشخاص من خلال برنامج معلوماتي أنشأوه لإثبات هشاشة الخصوصية على فيسبوك.
ولكن، بالرغم من كل ذلك، تبقى وسائل التواصل الاجتماعي قبلة الأشخاص؛ فهي تمتاز عن غيرها من الوسائل التقليدية للتواصل بسهولتها ومجانيتها وقدرتها على إختراق الحدود ووصولها إلى جمهور لا محدود وبالخدمات الغنية التي توفرها للمتواصلين من المستخدمين.
وهذه الوسائل، وإن كانت ذات منفعة كبيرة للتواصل بين الأصدقاء والزملاء، أو لإستخدامها للتواصل ضمن بيئة العمل، إلا أن مخاطرها كبيرة على الأشخاص والمجتمع. فمن السهل الإضرار بسمعة شركة أو شخص من خلال وسائل التواصل الاجتماعي عبر نشر أخبار كاذبة عنه. كذلك تشكل وسائل التواصل الاجتماعي مكاناً للمضايقة والإحراج، حيث يمكن نشر الصور الهجومية أو إطلاق الأخبار أو محاولة إستبعاد أشخاص من مجتمع معين.
وتطرح أيضاً إشكالية الصورة أو الهوية أو السمعة التي يكوّنها الشخص من خلال إستعماله وسائل التواصل الاجتماعي، فيمكن مثلاً معرفة ميول الشخص وهواياته وثقافته وتكوينه العلمي من خلال فيسبوك...
وإن بعض مواقع الإنترنت التي تريد جذب وحماية الخطابات دون رقابة والآراء الراديكالية والمعارضة السياسية ستسمح للمستخدمين بإختيار أسماء وهمية عند التسجيل عليها. لكن مشغلو وسائل التواصل الاجتماعي لديهم حق مشروع ومصلحة لطلب معلومات صادقة حول هوية المستخدم المُسجل لديهم وأن المستخدمين يستعملون أسماءهم الحقيقة للتسجيل على الموقع. وإن وسائل التواصل الاجتماعي تطلب ذلك كون الأشخاص الذين يستخدمون إسمهم الحقيقي على الإنترنت يتصرفون بشكل بحكمة أكبر، وذلك من أجل تفادي النزاعات مع المستخدمين أو مع الأشخاص الثالثين. لكن في حالات كثيرة، يقدم المستخدم عند التسجيل إسم وهمي ويخل من ثم بشروط العقد ويخترق الحواسب ويخالف القوانين.
ويمكن القول أن وسائل التواصل الاجتماعي تثير إشكاليات قانونية عديدة، منها ما يتعلق بخصوصية الفرد ومدى التعرض لها، وما يتأتى عن ذلك لجهة تجميع بيانات شخصية عنه وكيفية إستعمالها، وصولاً إلى حرية التعبير عن الرأي عبر هذه الوسائل، والقيود التي يمكن أن تفرض عليها، والمسؤولية الناشئة عما يُنشر على هذه الوسائل، وتحديد القانون الواجب التطبيق عليها والمحكمة المختصة للنظر بالنزاعات الناشئة عنها.
ويثور التساؤل حول ماهية التنظيم القانوني الممكن تطبيقه على وسائل التواصل الاجتماعي، لاسيما لجهة الإشكاليات القانونية التي جرى طرحها.
وقد رغب البعض، عندما خلقت التكنولوجيا هذا العالم الإفتراضي الجديد، أي الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، في بقائه خارج إطار أي تنظيم، في حين أراد البعض الآخر وضع تنظيم جديد خاص له. لكن خلافاً لهذا الجدال، فإن القوانين النافذة والموجودة تطبق على ما تخلقه التكنولوجيا من تطور مع بعض الإضافات التشريعية أو التعديلات.
ويحتاج القانون عادةً وقتاً طويلاً للحاق بالتكنولوجيا الحديثة. لكن التوسع السريع لشبكات التواصل الاجتماعي ولعدد المستخدمين عليها يجعل عامل الوقت حاسماً. وتواجه بعض المحاكم صعوبات في فهم الوظائف والإمكانات والخصائص التقنية لوسائل التواصل الاجتماعي عند الفصل في النزاعات المرتبطة بالخصوصية وحرية الرأي على مواقع التواصل الاجتماعي.

كخلاصة، سنتولى في هذه الدراسة معالجة الإشكاليات القانونية المطروحة أعلاه وإستعراض التنظيم القانوني لوسائل التواصل الاجتماعي وعلاقته بالحرية الشخصية للأفراد. وهذه تشمل كما أسلفنا الخصوصية وحماية البيانات الشخصية وحرية التعبير عن الرأي وما تستتبعه من مسؤولية عن المحتوى المنشور ومن تحديد للقانون المطبق وللمحكمة المختصة ومن قيود على هذه الحرية الشخصية بفعل الإستعمالات المشروعة لهذه الوسائل. وسنتناول هذه الأمور، بعد شرح ماهية وسائل التواصل الاجتماعي في قسم أول، ضمن الأقسام التالية:

أولاً- ماهية وسائل التواصل الاجتماعي
ثانياً- وسائل التواصل الاجتماعي والحق في الخصوصية
ثالثاً- وسائل التواصل الاجتماعي وحرية التعبير عن الرأي
رابعاً- وسائل التواصل الاجتماعي وحماية البيانات ذات الطابع الشخصي
خامساً- وسائل التواصل الاجتماعي والحق في النسيان
سادساً- المسؤولية القانونية على وسائل التواصل الاجتماعي
سابعاً- القانون المطبق والمحاكم المختصة في النزاعات المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي
ثامناً- الإستخدامات المشروعة لوسائل التواصل الاجتماعي في مجال التحقيق والحرية الشخصية

المؤلف
القاضي الدكتور وسيم شفيق الحجار