أنت هنا

الصراع على المياه في الشرق الأوسط

"وجعلنا من الماء كل شيء حيّ"
(قرآن كريم: سورة الأنبياء – آية 30)

المقدّمة

يعاني العالم العربي من نقص في المياه العذبة، ويواجه العديد من بلدانه أزمات حقيقية تُنذر بعواقب خطيرة وتزيد الضغط على استخراج المياه الجوفية وعلى أنظمة المياه الطبيعية فيها.
والعالم العربي هو الأكثر عرضة للتأثيرات السلبية الناجمة عن ظاهرة التغيّر المناخي حول العالم، كونه يقع في منطقة مناخية جافّة وشبه جافّة. وقد شهد منذ منتصف القرن العشرين تغييراً في البُنى الاقتصادية وتزايداً سكانياً هائلاً ، كما شهد توسّعاً عمرانياً ونمواً في بعض الصناعات التي يتطلب معظمها كميّات كبيرة من المياه .
وكانت هذه العوامل في أساس الطلب المتزايد على مياه الشرب والريّ الزراعي ولأغراض الصناعة ما أدّى، في غياب الإدارة المتكاملة للموارد المائية إلى نقص حادّ في المياه النظيفة المتوفّرة.
في هذا الإطار اكتسبت الأنهار أهمية خاصة كونها المصدر الأساسي للمياه العذبة المتجدّدة لدى الكثير من البلدان وتعدّدت استخداماتها لأغراض التنمية الشاملة.
لم تطرح الأنهار الوطنية، وهي التي تنبع وتجري وتصبّ ضمن اقليم الدولة الواحدة، أية مشكلة قانونية فيما خصّ استثمار مياهها، أما الأنهار الدولية، وهي التي تفصل بين الدول أو تنبع في اقليم دولة وتجري أو تصبّ في اقليم دولة أخرى، فإن الدول التي تشترك في اقتسام مياهها، وفق نظام قائم ربما من سنوات طوال، أخذت تثير تحت ضغط الحاجة إلى المياه مسألة إعادة النظر في كميّة ونوعية الحصص التي تحصل عليها منها.
وبالعودة إلى عالمنا العربي، فإن أنهاره الكبرى، كالنيل والفرات ودجلة هي أنهار دولية، تنبع من أراضي دول غير عربية وتجري وتصبّ في بلدان عربية، وهذا ما جعل لدول المنبع ميزة استراتيجية وجيوبوليتيكية في مواجهة بلدان المجرى أو المصبّ.
ومن المتوقّع أن تتأجّج النزاعات بين الدول المتشاطئة حول هذه الأنهار، من جراء إصرار دول المنبع على احتكار أكبر قدر من المياه الباقية ضمن حدودها السياسية وتحويلها إلى عنصر أساس في التنمية الشاملة، لأنها تملك الامكانيات والقوة، بل استخدامها كسلاح سياسي للضغط على القوى الأخرى المجاورة في المنطقة لتحقيق أهداف استراتيجية ، الأمر الذي يسبّب نقصاً حادّاً في حصص المياه التي تحصل عليها الدول الشريكة في النهر مع تردّي نوعيتها.
وهذا ما يحصل بين تركيا والعراق وسورية، إذ تصرّ تركيا على اعتبار المياه النابعة ضمن حدودها ثروة طبيعية تركية لها الحقّ باستثمارها كما تشاء. وقد عمدت إلى إقامة عدد كبير من السدود ومحطات الطاقة الكهربائية بما يفوق حاجتها المعقولة، ضاربة عرض الحائط بالمواثيق والمبادئ القانونية الدولية التي تنظّم عملية اقتسام مياه الأنهار الدولية.
وقد يشهد نهر النيل واقعاً مشابهاً مع استمرار التفرّد في إقامة مشاريع الاستفادة من منابع النهر، وبتحريض من اسرائيل، الدولة التي قامت أساساً على الهيمنة على نهر الأردن في منابعه وروافده ومجراه، وعلى المياه الجوفية في الضفة الغربية وغزّة وسيناء، مسخّرة لذلك كل قواها العسكرية والدبلوماسية والمالية والصداقات الدولية، دون أن يخفى تنسيقها الاستراتيجي مع تركيا في ملفات عديدة ومنها مسألة المياه.
ويسوء الأمر كلما تردّت أوضاعنا وفقدنا الإدارة والسيطرة على مقدّراتنا وأصبحت استراتيجياتنا محكومة بردّات فعل محدودة تجاه دول تشاركنا الأنهار وتتعمّد الإضرار بنا.
ولا يخفى ما للجفاف، ولتكراره، من آثار سلبية قد تسبّب النزاعات الداخلية وهذه بدورها تفاقم المشاكل الداخلية في الدول وقد تنتج عدم الاستقرار وربما التقسيم، مما يزيد التوتّر والقلق حول اقتسام مياه الأنهار الدولية. وقد أظهرت بعض الدراسات الصلة بين الجفاف والنزاعات المدنية في الدول النامية. وهذه النزاعات تظهر تقريباً بعد سنة من انخفاض هامّ في معدّل المتساقطات الطبيعية .
وما يزيد الأمر سوءاً، أن منطقتنا العربية تمرّ الآن بفوضى عظيمة ومخاض عسير قد يُفضي إلى تغييرات اقليمية لا يمكن إدراك مداها أو التحكّم بمسارها. وهذا ما فجّر مشاكلنا وتناقضاتنا السياسية والاجتماعية والأثنية والبيئية أو جعلها قابلة للتفجّر في كل حين، فإذا بالحروب والنزاعات تصيب كيان المجتمع ولا تقتصر على معارك بين الجيوش.
وفي ظلّ هذه الأوضاع، المشوبة بعدم الاستقرار، والمفتوحة على كافة الاحتمالات، تبدو لنا مسألة المياه مسألة ملتهبة ترتبط بأبعاد سياسية واقليمية ودولية بالإضافة إلى كونها شأن داخلي ذو أبعاد جغرافية وتاريخية واقتصادية واجتماعية وسياسية وقانونية وثقافية. وقد يتحوّل عدم تنظيم وإدارة واقتسام موارد الأنهار، أو المجاري المائية الدولية، والانتفاع منها بشكل منصف وعادل بين الدول المشتركة في المجرى المائي، إلى مصادر خطيرة للنزاعات الدولية.
ويبدو أننا أمام إشكالية الحفاظ على أمننا المائي ، الأمن بمفهومه الشامل، أمن الحصول على الموارد المائية النظيفة وترشيد استخدامها والمحافظة عليها بشكل آمن ومستقرّ ودائم بشكل يزيل القلق والتوتّر، كل ذلك في ظلّ جفاف المناخ في منطقتنا وندرة الأمطار والمياه العذبة وازدياد السكان بنسب مذهلة وازدياد طلبهم للماء كعنصر أساسي في التنمية المستدامة وفي قوة الدولة وازدهارها، مع تعرّض حقوقنا التاريخية في مياه أنهارنا إلى تهديد وهيمنة واستنزاف وتحكّم دول المنابع، مما يهدّد مصيرنا برمّته.
وتطرح مسألة اقتسام مياه الأنهار الدولية في العالم العربي أبعاداً مختلفة كونها ذات سمات خاصة، مقارنة بأنهار دولية أخرى، فهي لا تستخدم للملاحة إلاّ بشكل جزئي ولم تحظَ بأي نظام سابق على غرار الأنهار الملاحية في العالم. لذلك فإن أسئلة عديدة تطرح نفسها حول: رأي القانون الدولي حول اقتسام مياه الأنهار الدولية والعلاقات فيما بين دولها، والمخاطر التي تهدّد موارد المياه وكيفية إدارة العلاقات المائية مع دول منابع الأنهار التي تندفع في إنشاء مشروعاتها المائية الضخمة، وأسباب الإخفاق في تسوية النزاعات الناشئة عن إساءة استثمار الأنهار المشتركة، والاتفاقيات القانونية الثنائية بين دولها ومدى انطباقها على مبادئ القانون الدولي مع غياب الاتفاقيات الشاملة لسائر أوضاع دول الحوض النهري. وحلّ هذه المشاكل لن يكون إلاّ بإعطائها قدراً كبيراً من الاهتمام لمعالجتها بشكل عقلاني وقانوني وإداري، في نطاق من احترام القواعد الانسانية والقانونية المقبولة عالمياً، وفي إطار التعاون والتكامل، تطبيقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لاستخدام المجاري الدولية في الأغراض غير الملاحية للعام 1997، الموضوعة موضع التنفيذ في العام 2014، ومن هنا أهمية هذه الدراسة التي تتمّ وفق مداخل جغرافية وتاريخية وقانونية باعتماد المدخل التاريخي والجغرافي والحقوقي عبر المنهج المقارن وتحليل السياسات.
وفي سبيل دراسة هذا الموضوع قسّمنا بحثنا إلى مقدمة وفصل تمهيدي حول مفهوم النهر الدولي والقواعد التي تحكم نزاعاته في قانون المياه الدولي، وإلى فصل أول حول قضية نهر النيل – أزمات واتفاقيات، وفصل ثانٍ حول أزمة أنهار دجلة والفرات والعاصي والنهر الكبير الجنوبي والأردن، وخاتمة توضح ما توصّلت إليه الدراسة.

المؤلف
د. خليل خير الله